رد شبهة في سورة الملك–رجوم الشياطين

الرد على شبهة (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ)

بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على سيد المرسلينر

أما بعد:

الرد على شبهة يثيرها بعض المشككين حول سورة الملك في قوله تعالى :

وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)

يقول المشكك و بكل ثقة ، أليست المصابيح هي النجوم ، إذا فكيف يجعلها الله رجوما يُرجم بها الشياطين ، ألا ترى بأنها لا تزال موجودة و لم يتغير منها شيء ، ثم يتسائل بقصد تعزيز إثارة الشبهة ، أليس في السماء كواكب و نجوم حجمها أكبر من حجم الأرض ، فكيف تكون رجوما إذا ،

أليس هذا خطأ علمي !

هكذا يظن المشكك ، نعم …

الى الرد :

بدايةً سنقرأ الآية الكريمة التي ألقيت فيها الشبهة   …

قال تعالى :

وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)

قوله تعالى: (و لقد زينا السماء الدنيا) : واقع على السماء الدنيا و هي السماء القريبة منا و المعروفة بالمجموعة الشمسية ، و القرآن الكريم يميز بين ذكر السماء الواحدة و ذكر السماوات السبعة . و هنا في هذه الآية تحديدا جاء ذكر السماء الواحدة و هي السماء الدنيا و ليست كما يظن البعض سبع سماوات أو كلهن.

“و هذا وحده كافٍ لدرئ الشبهة”

وقوله تعالى: (بمصابيح) و معنى كلمة المصباح في اللغة العربية ، هو كل شيء ينير أو يضيء ، و هنا أتت كوصف للمذنبات تحديدا ثم الشهب و الكواكب. و في هذه الآية ، الوصف لا يشتمل على النجوم التي نراها خارج السماء الدنيا لأن الله سبحانه و تعالى قال 😦 وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ )، فالقول واقع على السماء الدنيا و ليس على سبع سماوات.

و مع أن النجوم البعيدة أيضا لها علاقة برجم الشياطين و لكننا  لسنا في واردها حاليا و سأرد عليها في غير هذا الموضوع ، إنشاء الله .

وقوله تعالى: (وجعلناها رجوماً للشياطين) : أي ، وجعلناها شهبًا محرقة لمسترقي السمع من الشياطين .

و هنا يقع السؤال كيف لهذه الأجرام العملاقة أن تكون رجوما للشياطين؟

 

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:

وقوله : ( وجعلناها رجوما للشياطين ) عاد الضمير في قوله : ( وجعلناها ) على جنس المصابيح لا على عينها ; لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء ، بل بشهب من دونها ، وقد تكون مستمدة منها ، والله أعلم …. (انتهى)

و الجواب من القرآن الكريم في سورة الحجر يصف لنا كيف ترجم الشياطين، و سنأتي إليه في سياق ردنا.

و يقول الحافظ القرطبي رحمه الله:

قوله تعالى : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح جمع مصباح وهو السراج . وتسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها .

وجعلناها رجوما للشياطين أي جعلنا شهبها ; فحذف المضاف . دليله : إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب . وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها . وقيل : إن الضمير راجع إلى المصابيح على أن الرجم من أنفس الكواكب ، ولا يسقط الكوكب نفسه إنما ينفصل منه شيء يرجم به من غير أن ينقص ضوءه ولا صورته . قاله أبو علي جوابا لمن قال : كيف تكون زينة وهي رجوم لا تبقى . قال المهدوي : وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكواكب . والتقدير الأول على أن يكون الاستراق من الهوى الذي هو دون موضع الكواكب . القشيري : وأمثل من قول أبي علي أن نقول : هي زينة قبل أن يرجم بها الشياطين . والرجوم جمع رجم ; وهو مصدر سمي به ما يرجم به . قال قتادة : خلق الله تعالى النجوم لثلاث : زينة للسماء ، ورجوما للشياطين ، وعلامات يهتدى بها في البر والبحر والأوقات . فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به ، وتعدى وظلم . وقال محمد بن كعب : والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم ، ولكنهم يتخذون الكهانة سبيلا ، ويتخذون النجوم علة .

وقال الحافظ ابن عاشور:

والكلام على السماء الدنيا والرجوم : جمع رَجْم وهو اسْم لما يُرجم به ، أي ما يرمي به الرامي من حجر ونحوه تسميةً للمفعول بالمصدر مثل الخَلْق بمعنى المخلوق في قوله تعالى : { هذا خَلق الله } [ لقمان : 11 ] .

ويأتين المدد من القرآن الكريم في سورة الحجر يصف لنا كيف تُرجم الشياطين،

في قوله تعالى:

( 16 )   وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ

( 17 )   وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ

( 18 )  إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ

و كما جاء قوله تعالى في الآية (18) { إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } يبين لنا الله تعالى أن الشهاب هو الذي ترجم به الشياطين و ليس كوكب المريخ و لا المشتري و لا المذنبات كما يلبس الملبسون ،

و من سورة الصافات يأتي الرد على هذه الشبهة ليصفع وجه المشكك كما يصفع الشهاب ما يصيبه،

قال تعالى في سورة الصافات:

( 6 )   إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ

( 7 )  وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ

( 8 )   لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ

( 9 )   دُحُورًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ

( 10 )  إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ

و في الآية رقم (10) من سورة الصافات يأتي وصف علمي دقيق للرجوم التي ترجم بها الشياطين و هي الشهب { إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } – و يصفه القرآن بالشهاب الثاقب لأنه يثقب الغلاف الجوي و هذه حقيقة علمية لا مفر منها .

وفي سورة الجن قوله تعالى:

و باعتراف الجان و الشياطين أنفسهم أنهم لمسوا السماء فوجدها مليئة بالشهب ،

قال تعالى في سورة الجن:

( 8 )   وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا

( 9 )   وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا

و اعلم أخي القارئ ، أن في القرآن الكريم ما يشير إلى حجم الشهب و يحددها ، في سورة الإسراء و سورة الملك،

 

يقول ربنا سبحانه و تعالى:

الملك – الآية  17  { أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ }

و كلمة (حاصباً) تعني الحصاة و مفردها حصبة أو حصاة أو حصوة بمعنى الحجر الصغير الذي يرمى به.

و عند أهل العلم كلمة حاصب تعني (الحجارة) ولا يوجد تحديد

و منها الحجارة المشتعلة أو كالتي تكون وقودا (الحجارة المشتعلة المجمرة)،

كما جاء في قوله تعالى في سورة الأنبياء:

( 98 )  { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ }

و قوله تعالى:

(يرسل عليكم حاصبا) فهذا الحاصب عندما يلامس الغلاف الجوي فإنه سيشتعل مثل الوقود، نتيجة لاحتكاكه بالغلاف الجوي.

ويقول الحافظ ابن عاشور في تفسيره لقوله تعالى:

17  { أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ }

{ أم } لإِضراب الانتقال من غرض إلى غرض ، وهو انتقال من الاستفهام الإِنكاري التعجيبي إلى آخر مثله باعتبار اختلاف الأثرين الصادرين عن مفعول الفعل المستفهَم عنه اختلافاً يوجب تفاوتاً بين كنهي الفعلين وإن كانا متحدين في الغاية ، فالاستفهام الأول إنكار على أمنهم الذي في السماء من أن يفعل فعلاً أرضياً .

والاستفهام الواقع مع { أم } إنكار عليهم أن يأمنوا من أن يرسل عليهم من السماء حاصب وذلك أمكن لمن في السماء وأشد وقعاً على أهل الأرض . والكلام على قوله : { من في السماء } تقدم في الآية قبلها ما يغني عنه .

و هنا يبرع الحافظ ابن عاشور في شرح الأية الكريمة و نستشهد على شرحه بقوله تعالى في سورة الأعراف :

الأعراف – الآية 162 { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ }

و الرجز هنا معناه العذاب، والمقصود أن الله سبحانه وتعالى يرسل العذاب من السماء،

وفي البقرة قوله تعالى:

سورة البقرة – الآية( 59 )  { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُ }

وقوله تعالى في سورة الأنفال:

الأنفال – الآية( 32 )  { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }

الى هنا تبين لنا بإذن الله تعالى، أن الرجوم التي ترجم بها الشياطين هي الشهب الناتجة عن الكواكب و المذنبات و التي هي في شكلها زينة للسماء، و كما قلنا سابقا الآية الكريمة حددت السماء الدنيا و لم تحدد أو تأتي على ذكر السماوات السبع أو أي سماء خارج السماء الدنيا.

فالزينة المقصودة هي الكواكب السيارة و المذنبات التي تسبح في السماء الدنيا، وما ينتج عنها من حبيبات أو حصى أو حجارة تأتي على مسار الأرض لتسقط عليها ثم لتشتعل نتيجة الإحتكاك بالأوكسجين والغلاف الجوي لتتحول الى وقود ملتهب، فنراها نحن في السماء تضيئ و كأنها ألعاب نارية أو كما قال عنها القدماء (نجوم متساقطة)، وهي في حقيقتها رجوم للشياطين كما قال تعالى:

 

وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)/الملك/

الرد على شبهة حول سورة الملك

لم ينتهي الرد بعد و إنشاء الله سأتابع كتابة المزيد من الردود

طبعا النجوم و الكواكب و المذنبات كلها لها علاقة بما يصيب الأرض من الشهب. سنكتب عنها في الموضوع القادم إن شاء الله تعالى.

و أسأل الله تعالى بأن أكون قدمت للأخ القارئ ما ينفع

فإن أخطأت فمن نفسي و الشيطان.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s